مكة المدينة الفاضلة Print

 

yotwopi_makkah

 

«مكة»، هي مدينة الفرح والمتعة الروحية والإشباع النفسي، ومع ذلك لا ينتمي إليها إلاّ قلة من الناس، أولئك الذين أدركوا المعنى الحقيقي للسعادة والمصدر الحقيقي للقوة.

 

بقلم: سليمان بن سعد الخضير

 



 

«مكة»، مدينة السلام والطمأنينة والثراء الروحي ومتعة العيش ببساطة، والإعراض عن الماديات، وحب الناس والنجاح بأي مقياس...

إذا كنت تظن أن الناس الأقوياء الأشداء ذوي السلطة والجاه يعيشون في مدينة الوفرة «كاليفورنيا» فراجع نفسك! صحيح أن دلائل السيطرة والقوة موجودة في كل مكان من «كاليفورنيا»، ولكن المفقود أكثر من الموجود...

 

«مكة»، هي مدينة الفرح والمتعة الروحية والإشباع النفسي، فهي مدينة مشرعة الأبواب في كل الاتجاهات، لا يحتاج دخولها إلى بطاقات خاصة، ولا إلى مكانة اجتماعية مرموقة. يدخلها الصغير والكبير، والغني والفقير، والقائد والتابع، فالمواطنة فيها هدية من الخالق، تُمنح لكل من يريد أن يعيش بهدوء وسكينة، ومع ذلك لا ينتمي إليها إلاّ قلة من الناس، أولئك الذين أدركوا المعنى الحقيقي للسعادة والمصدر الحقيقي للقوة.

 

قد تعجب – أخي القارئ -إذا علمت أن الأوصاف السابقة قالها رجل غير مسلم، وقد تعجب أكثر إذا علمت أن هذه التعابير لم ترد في سياق موعظة دينية، ولا توصيفًا لرحلة جغرافية استكشافية، وإنما جاءت تدعيمًا لنظرية في إدارة الذات!

لقد كتب (توم رَدل Tom Ruddell)([1 ]) كتابه تأثير مكة: خمسة متطلبات لحياة ناجحة (The MECCA factor: 5 Imperatives for A successful life ) عام 1997؛ ليقدم طريقة مبتكرة في إدارة الذات سمّاها «مكة»، مصرحًا في مطلع كتابه، أنه استنبط فكرة «مكة» من أحد الأديان العظيمة، ويقول ـ بحسب خلاصة كتابه الذي نشرته الشركة العربية للإعلام العلمي «شعاع» ـ: «وهذا الاستنباط يعني أنه يمكن استلهام تعاليم ومعاني هذه الرسالة السماوية لانتشال الناس، من كل العقائد والأجناس، من غفلتهم، لاسيما أولئك الذين يجاهدون في سبيل البحث عن بُعد روحي يرتكزون إليه فتطمئن قلوبهم عبر رحلتهم في هذا العالم...».

 

ويضيف «لقد كانت «مكة» عبر القرون، وهي المدينة التي وُلد فيها نبي الإسلام محمد ( e ) وفيها «الكعبة» المشرفة، كانت مدينة متعددة المعاني، ومصدرًا للوحي والإلهام. التقط أي معجم في مكتبتك، والحديث ما يزال لـ(رَدل)، وستجد في كل منها معنىً جديدًا لـ«مكة»:

- بلوغ أعلى مراتب السعادة.

- تحقيق أهداف الحياة السامية.

- المكان الرائع الذي تحب أن تكون فيه.

- مركز لنشاط خلاّق يبتغيه أناس يجمعهم هدف مشترك.

- أي مكان تهفو قلوب الناس إلى زيارته أو دخوله.

 

اتخذ (ردل) من تلك الإطراءات، وأكثر، مدخلاً لكتابه في سبيل دعم فكرته التي يرغب إيصالها إلى القرّاء من أجل حفز ذاتي أكبر وتوجّه نحو الهدف، ولا يكتفي بذلك، بل يعود المرة بعد المرة لتقرير مزايا «مكة»، كما تخيّلها، فيقول: «المكِّيُّون أكثر قدرة من غيرهم على حل المشكلات، سواء كانت تخصهم أو تخص الآخرين؛ فهم متوادّون ومتراحمون، ومتآزرون... المكّيون لا يعيشون في قلق، ولا يحتاجون إلى برامج خاصة لإدارة الضغوط، برامج من قبيل (دعِ القلق وابدأ الحياة) فهم مؤمنون، لم تهُن من عزائمهم الصعاب، فعندما تكون في «مكة» ستُقبل على الحياة دون تأمين ولا ضمانات، وسوف تتخطى ما يعترضك من مشكلات بروح العزيمة والثقة والإيمان... ».

إن وصف (ردل) «مكة» وتصوره عنها يأتي متسقًا مع معاني «مكة» في المعاجم الإنجليزية، بل ربما كان امتدادًا لتصور راسخ في الذهنية القديمة الأمريكية، فنجد «مكة» ـ كما يقول د. عمار بكار ـ اسمًا لواحدة من قبائل الهنود الحمر، وقد أُطلقت على نحو (70) ما بين مدينة وريف في أمريكا، ومن الواضح أن المعنى الذي وصلت به «مكة» إلى اللغة الإنجليزية منطلق من تصور إسلامي؛ وقد يكون ذلك واحدًا من أمثلة استجابة الله لدعوة أبينا إبراهيم، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، )فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ( [إبراهيم: من الآية 37].

 

ليست هذه الكتابة الوحيدة التي طُرحت في الساحة العلمية، بل هناك عدد من الكتابات حررها كتابٌ رحالة، حيث تحتفظ لنا مصادر تاريخية بأسماء عدة أشخاص (مسلمين وغير مسلمين) تمكَّنوا من الوصول إلى «مكة» في رحلة حج أو عمرة مثل (جوهان بروكارت) و(دومنغو باديا) و(ريتشارد برتون) و(ليون روش) و(هينريش فون)، وتفيد مصادر غربية أنه لا يُعرف منذ القرن السابع (عهد النبي e ) حتى نهاية القرن التاسع عشر إلاّ نحو اثني عشر أوروبيًا نشروا أخبار رحلاتهم إلى «مكة» وإقامتهم فيها، وكان (جيل ـ جرفيه كورتلمون) واحدًا من أولئك الأوروبيين، وهو أول فرنسي يتمكن من الوصول إلى «مكة»، إلاّ أن ما يميز هذا الأخير كونه فنانًا مصورًا يصطحب آلة التصوير (الكاميرا) إلى كل مكان يتوجه إليه، وقد التقط عددًا من الصور لـ«مكة» ومنازل أهلها والحرم المكي، وأشياء أخرى رآها في طريقه، وإن كانت بعض الصور التي أوردها «كورتلمون»([2]) في كتابه «رحلتي إلى مكة» لا توحي بأنها التُقطت بآلة تصوير؛ بل هي إلى الرسم أقرب، وبخاصة أنها – بحسب المتخصصين -تخالف الواقع ووثائق تاريخية أكثر ثقة منها.

 

وعلى كلٍّ ضمّن (كورتلمون) كتابه مقاطع وصف فيها انطباعاته عن «مكة»، منها قوله: «في هذا الوقت أجد سعادتي الكبيرة في الذهاب لتأمل الحرم الشريف، أجلس فوق بلاط الرخام، أستمتع بسماع صوت المؤذنين الذي يرتفع من المنارات الأربع (كانت أربعًا إذ ذاك 1328هـ/1910) الموجودة في زوايا الحرم، منادين للصلاة، ويرفعون أصواتهم بالأذان وهم يدورون حول الشرفات المبنية من الأحجار فوق المنارات الجميلة، فينخفض صوتهم أو يرتفع حسب الوجهة التي ينتشر فيها في الفضاء.. تتفق أصواتهم تارة، وتارة تختلف، ترتفع مخترقة هدوء المساء، تتخللها نبرات صوت شجيٍّ يشبه نحيب البكاء، ولا يمكن أن يتصور المرء وجود نبرات صوتية أكثر دفئًا وانسجامًا وعذوبة من الأذان.. يا لروعة المشهد!».

 

وينطلق واصفاً مشاعر الأُنس فيقول: «... وأما الكعبة المشرفة فتبدو تحت ستارها الأسود وسط هذا التوهج أكثر إجلالاً، ويقف الجميع داخل الحرم الشريف خلف الإمام لأداء صلاة المغرب، (20,000) مؤمن يتراصون في صفوف منتظمة، يقفون في ثبات وسكون: «باسم الله» فيعمّ الحرم الشريف صمت مطبق، وتمتلئ القلوب بالإيمان في صمت. «الله أكبر»، فيردد الجميع بصوت واحد خافت «الله أكبر»، إلاّ أن عدد المصلين كبيرٌ جدًا، لدرجة أن ترديد الأصوات، وإن بصوت خافت، يجعلها تتجمع في صوت هائل مفعم بالإيمان محدثًا جلجلة... تستمر الصلاة، ومعها تستمر جباه المصلين في ملامسة الأرض مرتين، عبادة لله تعالى وخضوعًا له، ثم تتوالى الركعات في حركات هادئة مملوءة بالإجلال، فتزيدهم وقارًا، وهكذا إلى أن تنتهي الفريضة بالسلام».

أوصاف شاعرية ماتعة يتلاشى معها أي شعور باستطالة المقطع..

 

وممن ساهم في الكتابة عن «مكة» كُتّاب وباحثون غالبهم أكاديميون، كانت تصوّراتهم، غالبًا، منحصرة في كون «مكة» مدينة فاضلة أو مدينة الفضل الإلهي، يحرُم فيها إيذاء الحيوان واقتراف المنكرات كالعلاقات الجنسية المنحرفة وشرب الخمر، وعلاقة الناس بعضهم ببعض، تبعًا لهذه المشاعر الفياضة، علاقة مودة ولباقة مع اختلاف أجناسهم، ويرتدون اللباس الأبيض. وفي المقابل يتصورونها مدينة أثرية، وأهلها بدائيون في حياتهم وأنماط تفكيرهم. أدواتهم تقليدية ومواصلاتهم بدائية...

 

والملاحظ أن كثيرًا منهم تعاملوا مع «مكة» في حدود ما أتاحته لهم قدراتهم الذهنية في الفهم والتصور والتخيل عند قراءاتهم عن «مكة» أو مشاهدات مَن شاهدها منهم، يُضاف إلى ذلك ثلاثة أمور:

-  فقرهم الشديد لتصوّر مفهوم الإسلام وتطبيقاته، وفقه التاريخ العربي والإسلامي.

- صعوبة انفكاك الإنسان عن تصوّراته الخاصة، وما انطبع في ذهنه من تصورات لأمور مماثلة في الاسم مختلفة في المعنى، وهو الأمر الذي انعكس على الإسلام، وطُبّقت عليه تصوّرات رهبانية ذات علاقة بالفكر الكهنوتي، التي تتسلل إليه عند تعرّفه على الأديان بشكل عام.

 

- وقوع بعضهم تحت تأثير هدف استخباراتي رسمي، وبخاصة أولئك الذين تظاهروا بالإسلام ليصلوا إلى «مكة»؛ ليتحرّوا، مثلاً، عمّا يمكن أن يرشَحَ عنه التقاء حجاج المغرب العربي (الذي يسيطر عليه الاستعمار الفرنسي) بالحجاج الآخرين.

ولهذه الأمور لا نعجب أن تكون عدد من الكتابات عن «مكة»، خرجت شوهاء إلى الحد الذي لا يحبّب الناس فيها، أو على الأقل لا يحبّون أن يتعرفوها أو يهتموا بالأسباب التي تدعو للاهتمام بها.

وهناك تصورات غربية عن «مكة» وتفسيرات لأنماط العبادة التي يمارسها المسلمون منطلقة من ضبابية فهمهم للإسلام، وعجزهم عن التقاط كامل الصورة عن الإسلام، وهذا ما يجعلنا لا نسلم، تمامًا، بدعوى بعض من أظهر الإسلام ممن وصل إلى مكة، هل كان ذلك عن اقتناع ديني أو أنه أصبح مسلمًا لدوافع سياسية...

 

لكننا لسنا بصدد التنقيب عن هذه الأبعاد؛ إذ إن مقصود هذه المقالة تسليط الضوء على الجانب الآخر، وهو أثر الوصف الصحيح الذي قدمه المسلمون الغربيون عن «مكة» وشعائر الحج؛ إذ كانت صورة «مكة» أكثر وضوحًا في أذهانهم، من خلال فهمهم الأفضل والأشمل للإسلام والوقوف المباشر على «مكة»، فهم حين يتحدثون عن «مكة» يتحدثون عمّا رأوه لا عمّا سمعوا به أو تخيّلوه، بالإضافة إلى أنهم ممن ذاق الظروف الغربية، وعايش أنماطها الاجتماعية، واختلطت النظم الغربية بأنفاسهم...

الشيء الذي قد يلاحظ عليهم، وليس عيبًا بالضرورة، أن المسلمين الغربيين، حين تحدثوا عن «مكة»، تحدثوا عن الجانب المشرق أو ركّزوا عليه، وهذا نابع من صدق العاطفة ولهف الشوق الذي يختلج في صدورهم، ولا نزكّيهم على الله.

 

من أولئك الحجاج الذين كان لزيارة «مكة» أثر عميق في نفوسهم، وكان لحديثهم عنها أثر في نفوس المتلقين عنهم: «محمد أسد» في كتابه «الطريق إلى مكة»، و«مراد هوفمان» في كتابه «رحلة إلى مكة»، و(مالكم أكس) في «سيرته» التي أملاها على (أليكس هالي)، بل إن أثرها أكثر من مجرد دفق إيماني وجد به يقين التعبد لله؛ إذ إن الحج كان بالنسبة لـ(مالكم إكس) بمنزلة تصحيح مسار وتغيير منهج، نقلته من «أمة الإسلام» التي تجسد العنصرية إلى «الإسلام» الحقيقي الذي يشيع الأخوة مهما كانت فروق اللون والجنس، وكان مما قاله: «... لقد وسّع الحج نطاق تفكيري، وفتح بصيرتي، فرأيتُ في أسبوعين ما لم أرَه في تسعٍ وثلاثين سنة، رأيت كلَّ الأجناس والألوان من البيض ذوي العيون الزرق حتى الأفارقة ذوي البشرة السوداء، وقد ألّفت بين قلوبهم الوحدة والأخوة، فأصبحوا يعيشون وكأنهم ذات واحدة في كنف الله الواحد، لم أرَ بينهم دعاة عنصرية ولا ليبراليين، ولغتهم-على أي حال- لا تتسع لمثل هذه المصطلحات.

 

نعم، كنت أدين البِيض كلَّهم بشدة، ولكني اكتشفت الآن أن هناك بِيضًا قادرين على أن يكنُّوا للإنسان الأسود مشاعر أخوة صادقة، ولقد فتح الإسلام عيني على أن إدانة كل البيض، كإدانة البيض للسود، شيءٌ خطأ.

لقد غير موقفي ما رأيته وعشته في البقاع المقدسة من أخوة لم تقتصر عليّ وحدي، ولكنها شملت كلّ من كانوا هناك على اختلاف جنسياتهم وألوانهم...»

وممن كان لزيارته «مكة» أثر عميق في نفسه (مايكل وولف Michael Wolfe ) في كتابيه «الحج: رحلة حاج أمريكي إلى مكة» و«ألف طريق إلى مكة، عشرة قرون من كتابات المسافرين عن الحجاج المسلمين»، والذي عبر في الأول منهما عن رحلة الحج بقوله: «رحلة تعطي الفرصة للحاج ليستعيد شيئًا من المساحة النقية في حياته»، وفي حوار مع جريدة «سان خوزيه ميركوري» يقول: «عندما ترى الكعبة للمرة الأولى تنظر إليها بعد أن تكون قد صليت باتجاهها سنوات، فتجدها رائعة جدًا وجميلة جدًا. الناس دائمًا يبكون عندما يرون الكعبة على الرغم من كونها مبنى مربعًا بسيطًا، عندما تؤدي الطواف تشعر بإحساس عظيم من السمو الروحي، ولكن-في الوقت نفسه- تحس بالتجمع الهائل والتكامل مع الآخرين، وهذا يجعلك تسمو بروحك دون أن تشطح عن حدودك الجسدية واتزانك الطبيعي».

 

وإذا كانت كتابات (وولف) في كتابَيْه آنفي الذِّكر وعشرات المقالات في هذا الأمر، كما الشأن في كتابات أخرى، ذات أثر في تصحيح التصور الغربي عن الإسلام من خلال توجيه النظر إلى «مكة» والمشاعر؛ فإن النقل الحي الذي قدمه (وولف) بالتعاون مع شبكة (ABC )، أثناء تأديته مناسك الحج كان من بين أكثر الإجراءات التعريفية بالإسلام قوة وجاذبية، حيث وظف (وولف) الأداة الأبلغ أثرًا والأبعد مدى: الإعلام المرئي، فاستمع إلى حديثه عن «مكة» والحج ملايين الأمريكيين في أول تغطية إعلامية أمريكية للحج عام 1993 من خلال أحد أكثر البرامج الإخبارية جمهورًا.

لقد قدم هذا المسلم تعريفًا بالإسلام من زاوية «مكة»، لكنه قدمه بعاطفة جيّاشة أدهشت المسلمين قبل غيرهم، حيث كان يُعرّف بالحج و«مكة» ممزوجين بتأمّلات عميقة... الإضافة الجديدة التي انفرد بها (مايكل) هي أن النقل كان حيًا على الهواء من الأراضي المقدسة!!

 

من الصعب أن يُقدّم رقم لعدد أولئك الذين أبكاهم العرض المدهش، وبخاصة المسلمين الذين لما يتمكنوا، حتى ذلك الحين، من الحج. لعلها ليست مبالغة إذا وُصف النقل المذكور بأنه من أفضل ما بثه الإعلام الأمريكي حول الإسلام مطلقًا، إلى الحد الذي أغرى عددًا من الأمريكيين في الإسلام، وحدا ببعض الجمعيات والجهات الإسلامية لاقتناء الفيلم للإفادة منه في الدعوة إلى الإسلام.

أعد (مايكل) لهذا النقل قبل ثلاثة أشهر من الحج، أي قبيل مقدمه إلى «مكة» في رمضان، ورتب مع الشبكة التلفزيونية، التي اتصلت به وهو في المشاعر المقدسة، فأبدع في تقديم صورة محببة من خلال عرضه الصورة المشرقة، والتركيز على النواحي الوجدانية التي يهتم بها الإنسان الأمريكي، واستطاع «مايكل»، بفضل ما ألهمه الله من حس شاعري مبدع، أن يستلها من بين آلاف المشاهد، ويحسن في عرضها.

 

يُذكر أن (مايكل)، إلى جانب عمله مراسلاً، هو شاعر وكاتب لأدب الرحلات، وهو القوة الدافعة وأحد الرجال الذين كانوا وراء الفيلم المدهش «محمد.. سيرة نبي» (Muhammad: Legacy of a prophet ) الذي عُرض عام 2002 واستغرق إعداده نحو ثلاث سنوات، والذي وصفته صحيفة (واشنطن بوست) بأنه جذاب وممتع ويمد بمعلومات غزيرة، كما وصفته صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) بأنه أُعد بفكرٍ عميق ومتدفق، وقدَّم صورًا مذهلة.

ولنقرأ الحج في عيني د.مراد هوفمان الدبلوماسي والمفكر الألماني حيث يقول: «.. كان الطائفون لا يكادون يتقدمون خطوة إلى الأمام في فناء المسجد الفسيح. ولذلك توجهت إلى الطابق الأعلى حيث يتضاعف نصف قطر دائرة الطواف، ولم يكن بوسعي إلاّ ذلك..!

 

النظر من هنا إلى الأسفل يكاد يكون كالتنويم المغناطيسي، والمشهد شديد الجمال، فالكعبة تبدو مركزًا ثابتًا لا يتحرك لأسطوانة تدور ببطء وفي سكون تام في اتجاه مضاد لاتجاه عقارب الساعة. ولا يتغير هذا المشهد إلاّ عند الصلاة؛ حيث تصير الكعبة مركزًا لدوائر عديدة متحدة المركز، تتكون من مئات الآلاف من أجسام ناصعة البياض لأناس يرغبون في شيء واحد ويبحثون عن شيء واحد، ويفعلون شيئًا واحدًا؛ رمزًا لتسليم النفس إلى بارئها...

 

وفي التاسع من ذي الحجة تنقل حوالي (50) ألف حافلة ما يزيد على المليوني حاج إلى عرفة... كان يومًا طويلاً ورائعًا، كان يومًا للتأمل وللسلام، يومًا للصلاة وللأحاديث القيمة.

لم أكن-منذ كنت أمارس التمارين الجيزويتية في سنوات الصبا- قد عايشت مثل هذا التوجه الكامل إلى الله بكل هذا الصفاء الداخلي الباهر، فلا شيء في عرفة سوى مناجاته. وهنا يتجسد نداؤنا الدائم «لبيك اللهم لبيك». هذا إذن هو معنى الوقوف بين يدي الله بعرفات... ».

بإمكاننا أن ننطلق من الحديث عن «مكة» والتعريف بها إلى الدعوة إلى الإسلام والتشويق فيه؛ باعتبار الحديث عن خصائص «مكة» ومشاعر الحج أحد السمات الجذابة لاهتمام الفرد الغربي، وهذا ما نلاحظه في النصوص المختارة لأولئك الذين شرُفوا بزيارة «مكة» ومشاعرها المقدسة.

 

سيكون نافعًا، في تقديري، تقديم أفكار خاتمة لرسم الصورة النموذجية لهذه الأرض المباركة في أذهان غير المسلمين، على طريق دعوتهم إلى الإسلام وتحسين صورته لديهم، ومن أبرز تلك الأفكار:

- إصدار كتيبات تتحدث عن الحج والمشاعر والبلد الحرام، مزودة بالصورة المعبرة، تركز هذه الكتيبات على الجوانب التي يتطلع إليها الغربي غير المسلم مما هو متحقق فيها فعلاً.

- توظيف الصور التذكارية عن الحرم والمشاعر المقدسة في تقديم التهاني والمناسبات للفرد الغربي([3])، وقد جُبل البشر، على حب الهدية، وتقدير من يتعاطف ويتعايش مع أفراحه وأحزانه.

- إهداء مجسمات الحرم المكي والمدني (بأحجامها المختلفة) للأفراد المزمع دعوتهم، أو المؤسسات المهتمة التي تبدي تعاطفًا أو رغبة في التعرّف إلى الإسلام.

- إعداد أفلام وثائقية عن الحج و«مكة»: تاريخًا ونسكًا وجغرافية، وسيكون من المفيد فعلاً تقديمها إلى مؤسسات إعلامية، الأمر الذي يحتّم مراعاة المعايير المهنية ومستوى الجودة الإعلامية.

- إصدار ملاحق صحفية بمجلات واسعة الانتشار، ولعله يكفي في بعض الملاحق أن تكون مقتطفات من نصوص المسلمين الغربيين الذين حجوا، وهي المواضع الأكثر إثارة وإغراءً.

 


([1]) رئيس شركة «كاب ستار» (Cap star Corporation ) بولاية «فلوريدا»، يعمل مدربًا ومحاضرًا في مجالات النجاح وفرق العمل، عمل مذيعًا وصحفيًا. يصنفه المعنيون بالإدارة من أفضل المحاضرين العالميين في التحفيز، وعدته مـجلات وصحف أمريكية تناولت كتابته أعلاه بأنه:(ستيفن كوفي الثاني).

([2]) لا تزال حقيقة إسلام «كورتلمون» أو «الحاج عبد الله بن البشير» غامضةً ومحل نقاش؛ فإنه ظل شديد التكتم على الأسباب التي دعته إلى إعلان الإسلام، وهل كان اعتناقه عن قناعة دينية، أو لدوافع سياسية، أو هي المغامرة وحب الاستطلاع اللتان كانتا تتملكانه؟، فقد كان تساهله في التقيد بتعاليم الإسلام مدعاة لانزعاج من يعرفونه وأصبح هذا الأمر يشككهم في صحة إسلامه، واستمر معه هذا الوضع طوال حياته، ويتخذ بعضهم قرينة لصحة اعتناقه الإسلام ما كتبه؛ إذ يظهر فيه خط مستقيم من الشرف والطيبة، والروح المليئة بالتعاطف والاحترام للإسلام، والله أعلم.

([3]) تهنئة غير المسلم بنية الدعوة للإسلام وتأليف قلبه جائزة، ما لم تكن تهنئة لمناسبة في دينه.