قيم الزحام
قيم الزحام PDF Print البريد الالكتروني
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 
dr_messfer_alqahtanee

أعتقد أن رصد الأسباب والعوامل المؤثرة في تحضّر المجتمعات ونهوضها مهم للغاية، في فحص الجاهزية للتمدن وتقدير المسافة للوصول إلى المعالي

بقلم: د. مسفر القحطاني


بمجرد أن ترد كلمة "الزحام" في الذهن يتوارد معها معاني ودلالات مشحونة بالقلق والتوتر والخوف من الفوات وصعوبة الحركة و التحدي مع الغير، كل تلك الإسقاطات القاتمة و الواقعية للزحام؛ هي حقيقة ما يشاهده المواطن في أكثر الدول العربية والإسلامية بمجرد خروجه من بيته للعمل أو السوق، وأحياناً هي جزء من الخبز اليومي الناشف المرير للملايين في العالم، الذين لا يفارقهم الزحام حتى في فراش نومهم و قصعة طعامهم!

هذه الفكرة كانت وليدة لحظة تأمل في البلدان التي تعاني الزحام في كل شيء، والبلاد التي لا تعرفه إلاّ في لحظات قليلة من السنة، هل بينهما فوارق قيمية كان السبب فيها الزحام؟ و هل أنتجت تلك القيم فوارق وأنماط في الشخصيات وطرق في التعاملات وآليات في التفكير؟

في اعتقادي أن الزحام عامل رئيس في تحديد هذه الفروق، إذا لم يكن هو السبب الفاعل لكثير من القيم السلبية كمخرجات شَكَّلت بمجموعها حالة من التخلف والانحطاط لتلك المجتمعات المزدحمة.

فالزحام عادة ما يدعو إلى المغالبة والتعانف وغلبة الظالم المنتصر، وتصبح القيم الفاعلة هي في النزق والعلو على الضعيف ومخادعة المحق، كما أن قيم الزحام تضعف فيها حقوق المحتاجين و احترام المسنين وتقدير العاجزين، ولا أظن أن الزحام على الموارد الرئيسة للحياة كالخبز والماء و الوقود عند حدوث الأزمات بأقل خطراً في بروز تلك القيم السلبية وتكريسها في النفوس مهما كانت منزلة المتهافتين في المجتمع.

ولعل مشهد الحجاج والمعتمرين يحكي كثيراً من قيم الزحام وصوره القاتمة التي لم نروها، مع أن الناس في مقام العبادة والرغبة في المغفرة والتلبس في كثير من أحوالهم بثياب الطاعة والإنابة، ولكنها تبرز بوضوح وكأنها أصبحت من خصائص تلك المشاعر الطاهرة؟!

وفي المقابل أجد أن الصورة مختلفة جداً في المجتمعات التي وفّرت الكفاية لأفرادها والخدمات اللائقة بمواطنيها ونظّمت طرق العيش، و وقفت حازمة لكل سلوك شائن يدفعه الزحام؛ فلم تحوجهم لخوض معارك التسابق وجمع فتات المغانم عند ركوب المواصلات أو انتظار الخدمات أو شراء الحاجيات، فضلاً عن أن يجدوا زحاماً في مدارسهم ومستشفياتهم ودور عبادتهم؟! و أعتقد جازماً أن قيماً نبيلة سوف تتعايش عليها تلك المجتمعات، وستفتح بينهم أبواب المروءة وتنوع الرأي واحترام الآخر، وإيثار البعيد قبل القريب؛ لأن الفوات معدوم و أسود الغاب مغلولون من الفتك بالضعفاء والمحرومين.

ومن تأمل في مقاصد التشريع الحنيف يلمس بوضوح ضرورة الزكاة والصدقات و وجوب النفقات على الأقارب؛ تفادياً من ضياع حقوق الفقراء والمحتاجين من المغانم عند الزحام، كما أن التضحية والإيثار من أنبل أخلاق المسلمين، وما جُعلت درجة الشهيد في أعلى الرتب عند الله تعالى إلاّ لمقامه في تأخير حظه الدنيوي وإيثاره ماله و نفسه للإسلام والمسلمين، ولا يفوت أيضاً أن لتوجيهاته عليه الصلاة والسلام أثراً كبيراً في الحدّ من غلبة قيم الزحام بين أصحابه، إلاّ في وجوه الخير؛ فكان يدعوهم لإيجابية الحال حينئذ والمآل، كما أنه عليه الصلاة والسلام في مواطن أخرى عندما يلحظ من الجموع ما يخاف منهم حصول الزحام يدعوهم إلى البر، ويذكرهم بقيم السكينة والطمأنينة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس في الإيضاع". وذلك لما رأى الناس ينفرون من عرفة متعجلين متزاحمين متنافسين في الوصول إلى مزدلفة.

وأخيراً؛ أعتقد أن رصد الأسباب والعوامل المؤثرة في تحضّر المجتمعات ونهوضها مهم للغاية، في فحص الجاهزية للتمدن وتقدير المسافة للوصول إلى المعالي، وأظن أن قيم المجتمعات المتخلفة حابس كبير من وجود الدافعية للتقدم ومعالجتها وتحرير الإنسان من قيودها بداية راشدة للرقي والنهوض.